الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
69
مختصر الامثل
لقد تحدّثت الآيات القرآنية السابقة عن القضايا التي تتصل بالمعاد والحساب ، لذلك فإنّ الآيات التي نبحثها الآن تتحدّث عن قضية « حساب الأعمال » التي يتعرض لها البشر ، وكيفية ومراحل إنجاز ذلك في يوم المعاد والقيامة حيث يقول تعالى : « وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنهُ طِرَهُ فِى عُنُقِهِ » . « الطائر » : يعني الطير ، ولكن الكلمة هنا تشير إلى معنى آخر كان سائداً ومعروفاً بين العرب ؛ إذ كانوا يتفألون بواسطة الطير ؛ وكانوا يعتمدون في ذلك على طبيعة الحركة التي يقوم بها الطير . فمثلًا إذا تحرّك الطير من الجهة اليمنى ، فهم يعتبرون ذلك فألًا حسناً وجميلًا ، أمّا إذا تحرّك الطير من اليُسرى فإنّ ذلك في عُرفهم وعاداتهم علامة الفأل السيّء ، أو ما يعرف بلغتهم بالتطيّر . إنّ القرآن يبيّن أنّ التفؤل الحسن والسيّء أو الحظ النحس والجميل ، إنّما هي أعمالكم لا غير ، والتي ترجع عهدتها إليكم وتتحملون على عاتقكم مسؤولياتها ، وهذه الأعمال لا تنفصل عنكم في الدنيا ولا في الآخرة . يقول القرآن بعد ذلك : « وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيمَةِ كِتَابًا يَلْقهُ مَنشُورًا » . والمقصود من « الكتاب » في الآية الكريمة هي صحيفة الأعمال لا غير ، وهي نفس الصحيفة الموجودة في هذه الدنيا والتي تثبّت فيها الأعمال ، ولكنها هنا ( في الدنيا ) مخفية عنّا ومكتومة ، بينما في الآخرة مكشوفة ومعروفة . في هذه اللحظة يقال للإنسان : « اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا » . يعني أنّ المسألة - مسألة المصير - بدرجة من الوضوح والعلنية والإنكشاف ، بحيث لا مجال لانكارها . وفي تفسير العياشي عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله « اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ » قال : « يذكر العبد جميع ما عمل ، وما كتب عليه ، حتى كأنّه فعله تلك الساعة ، فلذلك قالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّاأحصاها » . الآية التي بعدها توضّح أربعة أحكام أساسية فيما يخص مسألة الحساب والجزاء على الأعمال ، وهذه الأحكام هي : 1 - أوّلًا تُقرر أنّ « مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ » حيث تعود النتيجة عليه . 2 - ثم تُقرر أيضاً أنّ « وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا » . وقرأنا نظير هذين الحكمين في الآية السابعة من هذه السورة في قوله تعالى : « إِنْ